فصل: تفسير الآية رقم (37)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الماوردي المسمى بـ «النكت والعيون» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏34- 35‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏34‏)‏ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏يَآ أَيُّهَا الَّذِِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُون أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ‏}‏ الآية‏:‏ في قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه أخذ الرشا في الحكم، قاله الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ أنه على العموم من أخذه بكل وجه محرم‏.‏

وإنما عبر عن الأخذ بالأكل لأن ما يأخذونه من هذه الأموال هي أثمان ما يأكلون، وقد يطلق على أثمان المأكول اسم الأكل، كما قال الشاعر‏:‏

ذر الآكلين الماء فما أرى *** ينالون خيراً بعد أكلهم الماء

أي ثمن الماء‏.‏

‏{‏وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه منعهم من الحق في الحكم بقبول الرشا‏.‏

والثاني‏:‏ أنه منعهم أهل دينهم من الدخول في الإسلام بإدخال الشبهة عليهم‏.‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏ وفي هذا الكنز المستحق عليه هذا الوعيد ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن الكنز كل مال وجبت فيه الزكاة فلم تؤدَّ زكاته، سواء كان مدفوناً أو غير مدفون، قاله ابن عمر والسدي والشافعي والطبري‏.‏

والثاني‏:‏ أن الكنز ما زاد على أربعة آلاف درهم، أديت منه الزكاة أم لم تؤد، قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقد قال‏:‏ أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة، وما فوقها كنز‏.‏

والثالث‏:‏ أن الكنز ما فضل من المال عن الحاجة إليه،

روى عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد قال‏:‏ لما نزل قوله تعالى ‏{‏وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «تبّاً لِلذَهَبِ وَالْفِضَّةِ» قال‏:‏ فشق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا‏:‏ فأي المال نتخذ‏؟‏ فقال عمر ابن الخطاب‏:‏ أنا أعلم لكم ذلك، فقال‏:‏ يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا‏:‏ فأي المال نتخذ‏؟‏ فقال‏:‏ «لِسَاناً ذَاكِراً وَقَلْباً شَاكِراً وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى دِينِه»‏.‏ وروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال‏:‏ مات رجل من أهل الصفّة فوجد في مئزرة دينار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كَيَّةٌ» ثم مات آخر فوجد في مئزره ديناران فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كَيَّتَانِ»

والكنز في اللغة هو كل شيء مجموع بعضه إلى بعض سواء كان ظاهراً على الأرض أو مدفوناً فيها، ومنه كنز البُرّ، قال الشاعر‏:‏

لا دَرَّ دري إن أطعمت نازلهم *** قِرف الحتى وعندي البُرّ مكنوز

الحتى‏:‏ سَويق المقل‏.‏ يعني وعندي البُرّ مجموع‏.‏

فإن قيل‏:‏ فقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ‏}‏ فذكر جنسين ثم قال ‏{‏وَلاَ يُنفِقُونَهَا‏}‏ والهاء كناية ترجع إلى جنس واحد، ولم يقل‏:‏ وَلاَ يُنفِقُونَهَما لترجع الكناية إليهما‏.‏

فعن ذلك جوابان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الكناية راجعة إلى الكنوز، وتقديره‏:‏ ولا ينفقون الكنوز في سبيل الله‏.‏

والثاني‏:‏ أنه قال ذلك اكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر لدلالة الكلام على اشتراكهما فيه، كما قال تعالى ‏{‏وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً‏}‏ ‏[‏الجمعة‏:‏ 11‏]‏ ولم يقل إليهما، وكقول الشاعر‏:‏

إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يُعاص كان جنوناً *** ولم يقل يعاصيا‏.‏

ثم إن الله تعالى غلَّظ حال الوعيد بما ذكره بعد هذا من قوله‏:‏

‏{‏يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ‏}‏ وإنما غلظ بهذا الوعيد لما في طباع النفوس من الشح بالأموال ليسهل لهم تغليظ الوعيد إخراجها في الحقوق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏36‏]‏

‏{‏إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏36‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شهْراً‏}‏ يعني شهور السنة، وإنما كانت اثني عشر شهراً لموافقة الأهلة ولنزول الشمس والقمر في اثني عشر برجاً يجريان فيها على حساب متفق كما قال الله تعالى ‏{‏الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 5‏]‏‏.‏

‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ‏}‏ يعني أن من الاثني عشر شهراً أربعة حرم، يعني بالحرم تعظيم انتهاك المحارم فيها، وهو ما رواه صدقة بن يسار عن ابن عمر قال‏:‏ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في وسط أيام التشريق فقال‏:‏ «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ فَهُوَ اليَومُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهراً مِنهَا أَرْبَعَةٌ حَرُمٌ، أَوّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرَ بيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ

»‏.‏ ‏{‏ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أي ذلك الحساب الصحيح والعدد المستوفي، قاله ابن قتيبة‏.‏

والثاني‏:‏ يعني القضاء الحق المستقيم، قاله الكلبي‏.‏

‏{‏فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ‏}‏ فيه أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ فلا تظلموها بمعاصي الله تعالى في الشهور الاثني عشر كلها، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ فلا تظلموها بمعاصي الله في الأربعة الأشهر، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ فلا تظلموا أنفسكم في الأربعة الأشهر الحرم بإحلالها بعد تحريم الله تعالى لها، قاله الحسن وابن إسحاق‏.‏

والرابع‏:‏ فلا تظلموا فيها أنفسكم أي تتركوا فيها قتال عدوكم، قاله ابن بحر‏.‏

فإن قيل‏:‏ فلم جعل بعض الشهور أعظم حرمة من بعض‏؟‏

قيل‏:‏ ليكون كفهم فيها عن المعاصي ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها توطئة للنفس على فراقها مصلحة منه في عباده ولطفاً بهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏37‏]‏

‏{‏إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ أما النسيء في الأشهر فهو تأخيرها، مأخوذ من بيع النسيئة، ومنه قوله تعالى ‏{‏مَا نَنسَخُ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنسِهَا‏}‏ أي نؤخرها‏.‏

وفي نَسْء الأشهر قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنهم كانوا يؤخرون السنة أحد عشر يوماً حتى يجعلوا المحرم صفراً، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم كانوا يؤخرون الحج في كل سنتين شهراً‏.‏

قال مجاهد‏:‏ فحج المسلمون في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين‏:‏ ثم حجوا في صفر عامين، ثم في ذي القعدة عامين الثاني منهما حجة أبي بكر قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم من قابل في ذي الحجة فذلك حين يقول‏:‏ «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ

» وكان المنادى بالنسيء في الموسم‏:‏ من بني كنانة على ما حكاه أبو عبيدة، وقال شاعرهم عمير بن قيس‏:‏

ألسنا الناسئين على مَعَدٍّ *** شهور الحل نجعلُها حَراماً

واختلف في أول من نسأ الشهور منهم، فقال الزبير بن بكار‏:‏ أول من نسأ الشهور نعيم بن ثعلبة بن الحارث ابن مالك بن كنانة‏.‏

وقال أيوب بن عمر الغفاري‏:‏ أول من نسأ الشهور القَلمّس الأكبر وهو عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، وآخر من نسأ الشهور أبو ثمامة جنادة بن عوف إلى أن نزل هذا التحريم سنة عشر وكان ينادي إني أنسأ الشهور في كل عام، ألا أن أبا ثمامة لا يجاب ولا يعاب، فحرم الله سبحانه بهذه الآية النسيء وجعله زيادة في الكفر‏.‏

ثم قال تعالى ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ‏}‏ أي ليوافقوا فحرموا أربعة أشهر كما حرم الله تعالى أربعة أشهر‏.‏

‏{‏زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الله تعالى زينها بالشهرة لها والعلامة المميزة بها لتجتنب‏.‏

الثاني‏:‏ أن أنفسهم والشيطان زين لهم ذلك بالتحسين والترغيب ليواقعوها، وهو معنى قول الحسن‏.‏

وفي ‏{‏سُوءُ أَعْمَالِهِمْ‏}‏ ها هنا وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه ما قدمه من إحلالهم ما حرم الله تعالى وتحريمهم ما أحله الله‏.‏

الثاني‏:‏ أنه الرياء، قاله جعفر بن محمد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 39‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ‏(‏38‏)‏ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏39‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلتُمْ إِلَى الأَرْضِ‏}‏ قال الحسن ومجاهد‏:‏ دُعوا إلى غزوة تبوك فتثاقلوا فنزل ذلك فيهم‏.‏

وفي قوله ‏{‏اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ‏}‏ ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ إلى الإقامة بأرضكم ووطنكم‏.‏

والثاني‏:‏ إلى الأرض حين أخرجت الثمر والزرع‏.‏ قال مجاهد‏:‏ دعوا إلى ذلك أيام إدراك النخل ومحبة القعود في الظل‏.‏

الثالث‏:‏ اطمأننتم إلى الدنيا، فسماها أرضاً لأنها فيها، وهذا قول الضحاك‏.‏

وقد بينه قوله تعالى ‏{‏أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الأَخَرَةِ‏}‏ يعني بمنافع الدنيا بدلاً من ثواب الآخرة‏.‏

والفرق بين الرضا والإرادة أن الرضا لما مضى، والإرادة لما يأتي‏.‏

‏{‏فَمَا مَتَاعُ الَْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الأخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ‏}‏ لانقطاع هذا ودوام ذاك‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏إِلاَّ تَنفِرُواْ‏}‏ يعني في الجهاد‏.‏

‏{‏يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ احتباس القطر عنهم هو العذاب الأليم الذي أوعدتم ويحتمل أن يريد بالعذاب الأليم أن يظفر بهم أعداؤهم‏.‏

‏{‏وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ‏}‏ يعني ممن ينفر إذا دُعي ويجيب إذا أُمر‏.‏

‏{‏وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ولا تضروا الله بترك النفير، قاله الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ ولا تضرّوا الرسول، لما تكفل الله تعالى به من نصرته، قاله الزجاج‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏40‏]‏

‏{‏إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏40‏)‏‏}‏

قوله تعالى ‏{‏إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ‏}‏ يعني إلا تنصروا أيها الناس النبي صلى الله عليه وسلم بالنفير معه وذلك حين استنفرهم إلى تبوك فتقاعدوا فقد نصره الله‏.‏

‏{‏إِذْ أَخَرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ‏}‏ يعني من مكة ولم يكن معه من يحامي عنه ويمنع منه إلا الله تعالى، ليعلمهم بذلك أن نصره نبيه ليس بهم فيضره انقطاعهم وقعودهم، وإنما هو من قبل الله تعالى فلم يضره قعودهم عنه‏.‏

وفي قوله ‏{‏فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ‏}‏ وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ بإرشاده إلى الهجرة حتى أغناه عن معونتهم‏.‏

والثاني‏:‏ بما تكفل به من إمداده بملائكته‏.‏

‏{‏ثَانِيَ اثْنَيْنِ‏}‏ أي أحد اثنين، وللعرب في هذ مذهب أن تقول خامس خمسة أي أحد خمسة‏.‏

‏{‏إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ‏}‏ يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر حين خرجا من مكة دخلا غاراً في جبل ثور ليخفيا على من خرج من قريش في طلبهم‏.‏

والغار عمق في الجبل يدخل إليه‏.‏

قال مجاهد‏:‏ مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار مع أبي بكر ثلاثاً‏.‏

قال الحسن‏:‏ جعل الله على باب الغار ثمامة وهي شجرة صغيرة، وقال غيره‏:‏ ألهمت العنكبوت فنسجت على باب الغار‏.‏

وذهب بعض المتعمقة في غوامض المعاني إلى أن قوله تعالى ‏{‏إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ‏}‏ أي في غيرة على ما كانوا يرونه من ظهور الكفر فغار على دين ربه‏.‏ وهو خلاف ما عليه الجمهور‏.‏

‏{‏إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبهِ لاَ تَحْزَنْ‏}‏ يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لصاحبة أبي بكر «لا تَحْزَنْ» فاحتمل قوله ذلك له وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يكون تبشيراً لأبي بكر بالنصر من غير أن يظهر منه حزن‏.‏

والثاني‏:‏ أن يكون قد ظهر منه حزن فقال له ذلك تخفيفاً وتسلية‏.‏ وليس الحزن خوفاً وإنما هو تألم القلب بما تخيله من ضعف الدين بعد الرسول فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» أي ناصرنا على أعدائنا‏.‏

‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ‏}‏ فيها قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ على النبي صلى الله عليه وسلم، قاله الزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ على أبي بكر لأن الله قد أعلم نبيه بالنصر‏.‏

وفي السكينة أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنها الرحمة، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أنها الطمأنينة، قاله الضحاك‏.‏

والثالث‏:‏ الوقار، قاله قتادة‏.‏

والرابع‏:‏ أنها شيء يسكن الله به قلوبهم، قاله الحسن وعطاء‏.‏

‏{‏وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ بالملائكة‏.‏

والثاني‏:‏ بالثقة بوعده واليقين بنصره‏.‏

وفي تأييده وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ إخفاء أثره في الغار حين طلب‏.‏

والثاني‏:‏ المنع من التعرض له حين هاجر‏.‏

‏{‏وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْسُّفْلَى‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ بانقطاع الحجة‏.‏

والثاني‏:‏ جعل كلمة الذين كفروا السفلى بذُلّ الخوف، وكلمة الله هي العليا بعز الظفر‏.‏

‏{‏وَكَلِمَةُ اللهِ هيَ العُلْيَا‏}‏ بظهور الحجة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏41‏]‏

‏{‏انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ‏(‏41‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏انفِرُواْ خِفَافاً وثِقَالاً‏}‏ فيه عشرة تأويلات‏:‏

أحدها‏:‏ يعني شباباً وشيوخاً، قاله الحسن وعكرمة ومجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ في اليسر والعسر فقراء وأغنياء، قاله أبو صالح‏.‏

والثالث‏:‏ مشاغيل وغير مشاغيل، قاله الحكم‏.‏

والرابع‏:‏ نشاطاً وغير نشاط، قاله ابن عباس وقتادة‏.‏

والخامس‏:‏ ركباناً ومشاة، قاله أبو عمرو الأوزاعي‏.‏

والسادس‏:‏ ذا صنعة وغير ذي صنعة، قاله ابن زيد‏.‏

والسابع‏:‏ ذا عيال وغير ذي عيال، قاله زيد بن أسلم‏.‏

والثامن‏:‏ أصحاء وغير أصحاء ومرضى، قاله جويبر‏.‏

والتاسع‏:‏ على خفة البعير وثقله، قاله علي بن عيسى والطبري‏.‏

والعاشر‏:‏ خفافاً إلى الطاعة وثقالاً عن المخالفة‏.‏

ويحتمل حادي عشر‏:‏ خفافاً إلى المبارزة، وثقالاً في المصابرة‏.‏

‏{‏وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ أما الجهاد بالنفس فمن فروض الكفايات إلا عند هجوم العدو فيصير متعيناً‏.‏

وأما بالمال فبزاده وراحلته إذا قدر على الجهاد بنفسه، فإن عجز عنه بنفسه فقد ذهب قوم إلى أن بذل المال يلزم بدلاً عن نفسه‏.‏ وقال جمهورهم‏:‏ لا يجب لأن المال في الجهاد تبع النفس إلا سهم سبيل الله من الزكاة‏.‏

‏{‏ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الجهاد خير لكم من تركه إلى ما أبيح من القعود عنه‏.‏

والثاني‏:‏ معناه أن الخير في الجهاد لا في تركه‏.‏

‏{‏إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ إن كنتم تعلمون صدق الله تعالى فيما وعد به من ثوابه وجنته‏.‏

والثاني‏:‏ إن كنتم تعلمون أن الخير في الجهاد‏.‏

ويحتمل وجهاً ثالثاً‏:‏ إن كنتم تعلمون أن لله تعالى يريد لكم الخير‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏42‏]‏

‏{‏لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً‏}‏ أي لو كان الذي دُعيتم إليه عرضاً قريباً‏.‏ وفيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني بالعرض ما يعرض من الأمور السهلة‏.‏

والثاني‏:‏ يعني الغنيمة‏.‏

‏{‏وَسَفَراً قَاصِداً‏}‏ أي سهلاً مقتصداً‏.‏

‏{‏لاَّتَّبُعُوكَ‏}‏ يعني في الخروج معك‏.‏

‏{‏وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ‏}‏ والشقة هي القطعة من الأرض التي يشق ركوبها على صاحبها لبعدها‏.‏

‏{‏وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ لو استطعنا فراق أوطاننا وترك ثمارنا‏.‏

والثاني‏:‏ لو استطعنا مالاً نستمده ونفقةً نخرج بها لخرجنا معكم في السفر الذي دعوا إليه فتأخروا عنه وهو غزوة تبوك‏.‏

ثم جاءوا بعد ذلك يحلفون بما أخبر الله عنهم من أنهم لو استطاعوا لخرجوا تصديقاً لقوله تعالى وتصحيحاً لرسالة نبيه صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏{‏يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ يهلكون أنفسهم باليمين الكاذبة‏.‏

والثاني‏:‏ يهلكون أنفسهم بالتأخر عن الإجابة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 47‏]‏

‏{‏عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ‏(‏43‏)‏ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ‏(‏44‏)‏ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ‏(‏45‏)‏ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ‏(‏46‏)‏ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ‏(‏47‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ صدق العزم ونشاط النفس‏.‏

والثاني‏:‏ الزاد والراحلة في السفر، ونفقة الأهل في الحضر‏.‏ ‏{‏وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انْبَِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ‏}‏ وإنما كره انبعاثهم لوقوع الفشل بتخاذلهم كعبد الله بن أبي بن سلول، والجد بن قيس‏.‏

‏{‏وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ مع القاعدين بغير عذر، قاله الكلبي‏.‏

والثاني‏:‏ مع القاعدين بعذر من النساء والصبيان، حكاه علي بن عيسى‏.‏ وفي قائل ذلك قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه النبي صلى الله عليه وسلم، غضباً عليهم، لعلمه بذلك منهم‏.‏

والثاني‏:‏ أنه قول بعضهم لبعض‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً‏}‏ يعني اضطراباً حكاه ابن عيسى‏.‏

والثاني‏:‏ فساداً، قاله ابن عباس‏.‏

فإن قيل‏:‏ فلم يكونوا في خبال فيزدادوا بهؤلاء الخارجين خبالاً‏.‏

قيل هذا من الاستثناء المنقطع، وتقديره‏:‏ ما زادوكم قوة، ولكن أوقعوا بينكم خبالاً‏.‏

‏{‏وَلأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ‏}‏ أما الإيضاع فهو إسراع السير، ومنه قول الراجز‏:‏

يا ليتني فيها جذع *** أخُبّ فيها وأضَعْ

وأما الخلال فهو من تخلل الصفوف وهي الفُرَج تكون فيها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «تَرَاصُّوا فِي الصُّفُوفِ وَلاَ يَتَخَلَّلْكُمْ، كَأَولاَدِ الحذف يَعْنِي الشَّيَاطِينَ» والخلال هو الفساد، وفيه ها هنا وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ لأسرعوا في إفسادكم‏.‏

والثاني‏:‏ لأوضعوا الخلف بينكم‏.‏

وفي الفتنة التي يبغونها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ الكفر‏.‏

والثاني‏:‏ اختلاف الكلمة وتفريق الجماعة‏.‏

‏{‏وَفِيكُمْ سّمَّاعُونَ لَهُمْ‏}‏ وفيهم ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ وفيكم من يسمع كلامهم ويطيعهم، قاله قتادة وابن إسحاق‏.‏

والثاني‏:‏ وفيكم عيون منكم ينقلون إلى المشركين أخباركم، قاله الحسن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏48‏]‏

‏{‏لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ‏(‏48‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏لَقَدْ ابْتَغَؤا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ‏}‏ يعين إيقاع الخلاف وتفريق الكلمة‏.‏ ‏{‏وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ‏}‏ يحتمل أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ معاونتهم في الظاهر وممالأة المشركين في الباطن‏.‏

والثاني‏:‏ قولهم بأفواههم ما ليس في قلوبهم‏.‏

والثالث‏:‏ توقع الدوائر وانتظار الفرص‏.‏

والرابع‏:‏ حلفهم بالله لو استطعنا لخرجنا معكم‏.‏

‏{‏حَتَّى جَآءَ الْحَقُّ‏}‏ يعني النصر‏.‏

‏{‏وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ‏}‏ يعني الدين‏.‏

‏{‏وَهُمْ كَارِهُونَ‏}‏ يعني النصر وظهور الدين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏49‏]‏

‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي‏}‏ يعني في التأخر عن الجهاد‏.‏

‏{‏وَلاَ تَفْتِنِّي‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ لا تكسبني الإثم بالعصيان في المخالفة، قاله الحسن وقتادة وأبو عبيدة والزجاج‏.‏

والثاني‏:‏ لا تصرفني عن شغلي، قاله ابن بحر‏.‏

والثالث‏:‏ أنها نزلت في الجد بن قيس قال‏:‏ ائذن لي ولا تفتني ببنات بني الأصفر فإني مشتهر بالنساء، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد‏.‏

‏{‏أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ‏}‏ فيها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ في عذاب جهنم لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ‏}‏

والثاني‏:‏ في محنة النفاق وفتنة الشقاق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 51‏]‏

‏{‏إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ‏(‏50‏)‏ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ‏(‏51‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ‏}‏ يعني بالحسنة النصر‏.‏

‏{‏وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ‏}‏ أي أخذنا حذرنا فسلمنا‏.‏

‏{‏وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ‏}‏ أي بمصيبتك وسلامتهم‏.‏

قال الكلبي‏:‏ عنى بالحسنة النصر يوم بدر، وبالمصيبة النكبة يوم أحد‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ إلا ما كتب الله لنا في اللوح المحفوظ أنه يصيبنا من خير أو شر، لا أن ذلك بأفعالنا فنذمّ أو نحمد، وهو معنى قول الحسن‏.‏

والثاني‏:‏ إلا ما كتب الله لنا في عاقبة أمرنا أنه ينصرنا ويعز دينه بنا‏.‏

‏{‏هُوَ مَوْلاَنَا‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ مالكنا‏.‏

والثاني‏:‏ حافظنا وناصرنا‏.‏

‏{‏وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏}‏ أي على معونته وتدبيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 54‏]‏

‏{‏قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ‏(‏52‏)‏ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ‏(‏53‏)‏ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ‏(‏54‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ‏}‏ يعني النصر أو الشهادة وكلاهما حسنة لأن في النصر ظهور الدين، وفي الشهادة الجنة‏.‏

‏{‏وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ عذاب الاستئصال في الدنيا‏.‏

والثاني‏:‏ عقاب العصيان في الآخرة‏.‏

‏{‏أَوْ بِأَيْدِينَا‏}‏ يعني بقتل الكافر عند الظفر والمنافق مع الإذن فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 57‏]‏

‏{‏فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ‏(‏55‏)‏ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ‏(‏56‏)‏ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ‏(‏57‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُم وَلآ أَوْلاَدُهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ فيه خمسة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، قاله ابن عباس وقتادة ويكون فيه تقديم وتأخير‏.‏

والثاني‏:‏ إنما يريد الله ليعذبهم بما فرضه من الزكاة في أموالهم، يعني المنافقين‏.‏ وهذا قول الحسن‏.‏

والثالث‏:‏ ليعذبهم بمصائبهم في أموالهم أولادهم، قاله ابن زيد‏.‏

والرابع‏:‏ ليعذبهم ببني أولادهم وغنيمة أموالهم، يعني المشركين، قاله بعض المتأخرين‏.‏

والخامس‏:‏ يعذبهم بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والحزن عليها، وكل هذا عذاب‏.‏

‏{‏وَتَزْهَقَ أَنفُسُهمْ‏}‏ أي تهلك بشدة، من قوله تعالى ‏{‏وَقُلْ جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ‏}‏ ‏[‏الإٍسراء‏:‏ 81‏]‏‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، أما الملجأ ففيه أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنه الحرز، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ الحصن، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ الموضع الحريز من الجبل، قاله الطبري‏.‏

والرابع‏:‏ المهرب، قاله السدي‏.‏ ومعاني هذه كلها متقاربة‏.‏ وأما المغارات ففيها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها الغيران في الجبال، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ المدخل الساتر لمن دخل فيه، قاله علي بن عيسى‏.‏

وأما المدَّخل ففيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه السرب في الأرض، قاله الطبري‏.‏

والثاني‏:‏ أنه المدخل الضيق الذي يدخل فيه بشدة‏.‏

‏{‏لَوَلَّوْا إِلَيْهِ‏}‏ يعني هرباً من القتال وخذلاناً للمؤمنين‏.‏

‏{‏وَهُمْ يَجْمَحُونَ‏}‏ أي يسرعون، قال مهلهل‏:‏

لقد جمحت جماحاً في دمائهم *** حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا

تفسير الآيات رقم ‏[‏58- 59‏]‏

‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ‏(‏58‏)‏ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ‏(‏59‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه ثعلبة بن حاطب كان يقول‏:‏ إنما يعطي محمد من يشاء ويتكلم بالنفاق فإن أعطي رضي وإن منع سخط، فنزلت فيه الآية‏.‏

الثاني‏:‏ ما روى الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه الخويصرة التميمي فقال‏:‏ اعدْل يا رسول الله، فقال‏:‏ «وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلْ إِن لَّمْ أَعْدِلْ»‏؟‏ «فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، فقال» دَعْهُ «‏.‏ فأنزل الله تعالى ‏{‏وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ‏}‏ الآية‏.‏

وفي معنى يلمزك ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ يروزك ويسألك، قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ يغتابك، قاله ابن قتيبة‏.‏

والثالث‏:‏ يعيبك، قال رؤبة‏:‏

قاربت بين عَنَقي وحجزي *** في ظل عصري باطلي ولمزي

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏60‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرآءِ وَالْمَسَاكِينِ‏}‏ اختلف أهل العلم فيها على ستة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن الفقير المحتاج المتعفف عن المسألة‏.‏ والمسكين‏:‏ المحتاج السائل، قاله ابن عباس والحسن وجابر وابن زيد والزهري ومجاهد وزيد‏.‏

والثاني‏:‏ أن الفقير هو ذو الزمانة من أهل الحاجة، والمسكين‏:‏ هو الصحيح الجسم منهم، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أن الفقراء هم المهاجرون، والمساكين‏:‏ غير المهاجرين، قاله الضحاك بن مزاحم وإبراهيم‏.‏

والرابع‏:‏ أن الفقير من المسلمين، والمسكين‏:‏ من أهل الكتاب، قاله عكرمة‏.‏

والخامس‏:‏ أن الفقير الذي لا شيء له لأن الحاجة قد كسرت فقاره، والمسكين الذي له ما لا يكفيه لكن يسكن إليه، قاله الشافعي‏.‏

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ ليس المسكين الذي لا مال له ولكن المسكين الأخلق الكسب‏.‏ قال ابن عليّة‏:‏ الأخلق المحارف عندنا وقال الشاعر‏:‏

لما رأى لُبَدُ النُّسور تطايرت *** رفع القوادم كالفقير الأعزل

والسادس‏:‏ أن الفقير الذي له ما لا يكفيه، والمسكين‏:‏ الذي ليس له شيء يسكن إليه قاله أبو حنيفة‏.‏

ثم قال ‏{‏وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا‏}‏ وهم السعاة المختصون بجبايتها وتفريقها قال الشاعر‏:‏

إن السُّعاة عصوك حين بعثتهم *** لم يفعلوا مما أمرت فتيلا

وليس الإمام من العاملين عليها ولا والي الإقليم‏.‏

وفي قدر نصيبهم منها قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ الثمن، لأنهم أحد الأصناف الثمانية، قال مجاهد والضحاك‏.‏

والثاني‏:‏ قدر أجور أمثالهم، قاله عبد الله بن عمر‏.‏

‏{‏وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ‏}‏ وهم قوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتألفهم بالعطية، وهم صنفان‏:‏ مسلمون ومشركون‏.‏

فأما المسلمون فصنفان‏:‏ صنف كانت نياتهم في الإسلام ضعيفة فتألفهم تقوية لنياتهم، كعقبة بن زيد وأبي سفيان بن حرب والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس‏.‏ وصنف آخر منهم كانت نياتهم في الإسلام حسنة فأعطوا تألفاً لعشائرهم من المشركين مثل عدي بن حاتم‏.‏ ويعطي كِلا الصنفين من سهم المؤلفة قلوبهم‏.‏

وأما المشركون فصنفان‏:‏ صنف يقصدون المسلمين بالأذى فيتألفهم دفعاً لأذاهم مثل عامر بن الطفيل، وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام تألفهم بالعطية ليؤمنوا مثل صفوان بن أمية‏.‏

وفي تألفهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسهم المسمى لهم من الصدقات قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعطونه ويتألفون به، قاله الحسن وطائفة‏.‏

والثاني‏:‏ يمنعون منه ولا يعطونه لإعزاز الله دينه عن تألفهم، قاله جابر، وكلا القولين محكي عن الشافعي‏.‏

وقد روى حسان بن عطية قال‏:‏ قال عمر رضي الله عنه وأتاه عيينة بن حصن يطلب من سهم المؤلفة قلوبهم فقال قد أغنى الله عنك وعن ضربائك ‏{‏وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ‏}‏ ‏(‏الكهف‏:‏ 29‏)‏ أي ليس اليوم مؤلفة‏.‏

‏{‏وَفِي الرِّقابِ‏}‏ فيهم قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم المكاتبون، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه والشافعي‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم عبيد يُشترون بهذا السهم قاله ابن عباس ومالك‏.‏

‏{‏وَاْلْغَارِمِينَ‏}‏ وهم الذين عليهم الدين يلزمهم غرمه، فإن ادّانوا في مصالح أنفسهم لم يعطوا إلا مع الفقر، وإن ادّانوا في المصالح العامة أعطوا مع الغنى والفقر‏.‏

واختلف فيمن ادّان في معصية على ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها لا يعطى لئلا يعان على معصية‏.‏

والثاني‏:‏ يعطى لأن الغرم قد وجب، والمعصية قد انقضت‏.‏

والثالث‏:‏ يعطى التائب منها ولا يعطى إن أصر عليها‏.‏

‏{‏وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏ هم الغزاة المجاهدون في سبيل الله يعطون سهمهم من الزكاة مع الغنى والفقر‏.‏

‏{‏وَابْنِ السَّبِيلِ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ هو المسافر لا يجد نفقة سفره، يعطى منها وإن كان غنياً في بلده، وهو قول الجمهور‏.‏

والثاني‏:‏ أنه الضيف، حكاه ابن الأنباري‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏61‏]‏

‏{‏وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏61‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ‏}‏ أي يصغي إلى كل أحد، فيسمع منه، قال عدي بن زيد‏:‏

أيها القلب تعلّل بددن *** إن همي من سماع وأذن

‏{‏قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ‏}‏ أي يسمع الخير ويعمل به، لا أذن شر يفعله إذا سمعه‏.‏

قال الكلبي‏:‏ نزلت هذه الآية في جماعة من المنافقين كانوا يعيبون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون فيه ما لا يجوز، فنزلت هذه الآية فيهم‏.‏

وفي تأويلها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم كانوا يعيبونه بأنه أذن يسمع جميع ما يقال له، فجعلوا ذلك عيباً فيه‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم عابوه فقال أحدهم‏:‏ كفوا فإني أخاف أن يبلغه فيعاقبنا، فقالوا‏:‏ هو أُذن إذا أجبناه وحلفنا له صدقنا، فنسبوه بذلك إلى قبول العذر في الحق والباطل، قاله الكلبي ومقاتل‏.‏

وقيل إن قائل هذا نفيل بن الحارث‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏62- 63‏]‏

‏{‏يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ‏(‏62‏)‏ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ‏(‏63‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ‏}‏ فيها ثلاثة أقوال‏:‏

أحدها‏:‏ من يخالف الله ورسوله، قاله الكلبي‏.‏

والثاني‏:‏ مجاوزة حدودها، قاله علي بن عيسى‏.‏

والثالث‏:‏ أنها معاداتها مأخوذ من حديد السلاح لاستعماله في المعاداة، قاله ابن بحر‏.‏

‏{‏فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ‏}‏ وهذا وعيد، وإنما سميت النار جهنم من قول العرب بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر، فسميت نار الآخرة جهنم لبعد قعرها، قاله ابن بحر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏64‏]‏

‏{‏يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ‏(‏64‏)‏‏}‏

‏{‏يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه إخبار من الله تعالى عن حذرهم، قاله الحسن وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أنه أمر من الله تعالى لهم بالحذر، وتقديره ليحذر المنافقون، قاله الزجاج‏.‏

وفي قوله تعالى ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِم‏}‏ وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ما أسرّوه من النفاق‏.‏

والثاني‏:‏ قولهم في غزوة تبوك‏:‏ أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها‏؟‏ هيهات هيهات‏.‏ فأطلع الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، قاله الحسن وقتادة‏.‏

‏{‏قُلِ اسْتَهْزِئُواْ‏}‏ هذا ويعد خرج مخرج الأمر للتهديد‏.‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ مظهر ما تسرون‏.‏

والثاني‏:‏ ناصر من تخذلون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 68‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏65‏)‏ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ‏(‏66‏)‏ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏67‏)‏ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ‏(‏68‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن بعضهم يجتمع مع بعض على النفاق‏.‏

والثاني‏:‏ أن بعضهم يأخذ نفاقه من بعضٍ‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ بعضهم على دين بعض‏.‏

‏{‏يَأَمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ‏}‏ في المنكر والمعروف قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المنكر كل ما أنكره العقل من الشرك، والمعروف‏:‏ كل ما عرفه العقل من الخير‏.‏

والثاني‏:‏ أن المعروف في كتاب الله تعالى كله الإيمان، والمنكر في كتاب الله تعالى كله الشرك، قاله أبو العالية‏.‏

‏{‏وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ‏}‏ فيه أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله تعالى، قاله الحسن ومجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ يقبضونها عن كل خير، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ يقبضونها عن الجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم، قاله بعض المتأخرين‏.‏

والرابع‏:‏ يقبضون أيديهم عن رفعها في الدعاء إلى الله تعالى‏.‏

‏{‏نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ‏}‏ أي تركوا أمره فترك رحمتهم‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ كان المنافقون بالمدينة من الرجال ثلاثمائة، ومن النساء سبعين ومائة امرأة‏.‏

وروى مكحول عن أبي الدرداء أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة المنافق‏:‏ فقال‏:‏ «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ، وَإِذا وَعَدَ أَخلَفَ، وَإِذَ خَاصَمَ فَجَرَ، وَإِذَا عَاهَدَ نَقَضَ، لاَ يَأْتِي الصَّلاَةَ إِلاَّ دُبُراً وَلاَ يَذْكُرِ اللَّهَ إِلاَّ هَجْراً

»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏69‏]‏

‏{‏كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ‏(‏69‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاَقِهِمْ‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏

قيل بنصيبهم من خيرات الدنيا‏.‏

ويحتمل استمتاعهم باتباع شهواتهم‏.‏

وفيه وجه ثالث‏:‏ أنه استمتاعهم بدينهم الذي أصروا عليه‏.‏

‏{‏وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوآ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ في شهوات الدنيا‏.‏

والثاني‏:‏ في قول الكفر‏.‏

وفيهم قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم فارس والروم‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم بنو اسرائيل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 72‏]‏

‏{‏أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏(‏70‏)‏ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏71‏)‏ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏72‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏‏.‏‏.‏ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المساكن الطيبة قصور من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر مبنية بهذه الجواهر‏.‏

الثاني‏:‏ أنها المساكن التي يطيب العيش فيها، وهو محتمل‏.‏

وأما جنات عدن فيها خمسة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنها جنات خلود وإقامة، ومنه سمي المعدن لإقامة جوهره فيه، ومنه قول الأعشى‏:‏

فإن تستضيفوا إلى حِلمِه *** تضافوا إلى راجح قد عدَن

يعني ثابت الحلم‏.‏ وهذا مروي عن ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن جنات عدن هي جنات كروم وأعناب بالسريانية، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً‏.‏

والثالث‏:‏ أن عدن اسم لبطنان الجنة اي وسطها، قاله عبد الله بن مسعود‏.‏ والرابع‏:‏ أن عدن اسم قصر في الجنة، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن‏.‏

والخامس‏:‏ أن جنة عدن في السماء العليا لا يدخلها إلا نبيّ أو صديق أو شهيد أو إمام عدل‏.‏

وجنة المأوى في السماء الدنيا تأوي إليها أرواح المؤمنين رواه معاذ بن جبل مرفوعاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏73- 74‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ‏(‏73‏)‏ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏74‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ‏}‏ أما جهاد الكفار فبالسيف وأما جهاد المنافقين ففيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ جهادهم بيده، فإن لم يستطع فبلسانه وقلبه، فإن لم يستطع فليكفهر في وجوههم، قاله ابن مسعود‏.‏

والثاني‏:‏ جهادهم باللسان، وجهاد الكفار بالسيف، قاله ابن عباس‏.‏

والثالث‏:‏ أن جهاد الكفار بالسيف، وجهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، قاله الحسن وقتادة‏.‏ وكانوا أكثر من يصيب الحدود‏.‏

‏{‏وَاغْلُظْ عَلَيْهِمُ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ تعجيل الانتقام منهم‏.‏

والثاني‏:‏ ألا يصدق لهم قولاً، ولا يبر لهم قسماً‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ‏}‏ فيهم ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنه الجلاس بن سويد بن الصامت، قال‏:‏ إن كان ما جاء به محمد حقاً فنحن شر من الحمير، ثم حلف أنه ما قال، وهذا قول عروة ومجاهد وابن إسحاق‏.‏

والثاني‏:‏ أنه عبد الله بن أبي بن سلول‏.‏ قال‏:‏ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم جماعة من المنافقين قالوا ذلك، قاله الحسن‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ‏}‏ يعني ما أنكروه مما قدمنا ذكره تحقيقاً لتكذيبهم فيما أنكروه وقيل بل هو قولهم إن محمداً ليس بنبي‏.‏

‏{‏وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ كفروا بقلوبهم بعد أن آمنوا بأفواههم‏.‏

والثاني‏:‏ جرى عليهم حكم الكفر بعد أن جرى عليهم حكم الإيمان‏.‏

‏{‏وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُواْ‏}‏ فيه ثلاثة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أن المنافقين هموا بقتل الذي أنكر عليهم، قاله مجاهد‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم هموا بما قالوه ‏{‏لَئِن رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينةِ ليُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنهَا الأَذَلَّ‏}‏ وهذا قول قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مروي عن مجاهد أيضاً وقيل إنه كان ذلك في غزوة تبوك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏75- 78‏]‏

‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏75‏)‏ فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ‏(‏76‏)‏ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ‏(‏77‏)‏ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ‏(‏78‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءَاتَانَا مِن فَضْلِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية والتي بعدها نزلت في ثعلبة ابن حاطب الأنصاري‏.‏ وفي سبب نزولها قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه كان له مال بالشام خاف هلاكه فنذر أن يتصدق منه، فلما قدم عليه بخل به، قاله الكلبي‏.‏

والثاني‏:‏ أن مولى لعمر قتل رجلاً لثعلبة فوعد إن أوصل الله الدية إليه أخرج حق الله تعالى منها، فلما وصلت إليه بخل بحق الله تعالى أن يخرجه، قاله مقاتل‏.‏

وقيل إن ثعلبه لما بلغه ما نزل فيه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يقبل منه صدقته فقال‏:‏ «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَنِي أَن أَقْبَلَ مِنكَ صَدَقَتَكَ» فجعل يحثي على رأسه التراب‏.‏ وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقبل منه شيئاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏79‏]‏

‏{‏الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏79‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏الَّذِينَ يَلْمزُونَ الْمُطَّوِِّعينَ مِنَ الْمُؤْمِنِيَن فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ‏}‏ قرئ بضم الجيم وفتحها وفيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهما يختلف لفظهما ويتفق معناهما، قاله البصريون‏.‏

والثاني‏:‏ أن معناهما مختلف، فالجهد بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة، قاله بعض الكوفيين‏.‏

وقيل‏:‏ كان ذلك في غزاة تبوك نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعاصم بن عدي وأبي عقيل الأراشي وسبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة ليتجهز للجهاد، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال هذا شطر مالي صدقة، وجاء عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر وقال‏:‏ إني آجرت نفسي بصاعين فذهبت بأحدهما إلى عيالي وجئت بالآخر صدقة، فقال قوم من المنافقين حضروه‏:‏ أما عبد الرحمن وعاصم فما أعطيا إلا رياءً، وأما صاع أبي عقيل فالله غني عنه، فنزلت فيهم هذه الآية‏.‏

‏{‏فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم أظهروا حمدهم واستبطنوا ذمهم‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم نسبوا إلى الرياء وأعلنوا الاستهزاء‏.‏

‏{‏سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه ما أوجبه عليهم من جزاء الساخرين‏.‏

والثاني‏:‏ بما أمهلهم من المؤاخذة‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ وكان هذا في الخروج إلى غزاة تبوك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏80‏]‏

‏{‏اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ‏(‏80‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ‏}‏ وهذا على وجه المبالغة في اليأس من المغفرة وإن كان على صيغة الأمر، ومعناه أنك لو طلبتها لهم طلب المأمور بها أو تركتها ترك المنهي عنها لكان سواء في أن الله تعالى لا يغفر لهم‏.‏

قوله ‏{‏إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً‏}‏ ليس بحد لوقوع المغفرة بعدها، وإنما هو على وجه المبالغة بذكر هذا العدد لأن العرب تبالغ بالسبع والسبعين لأن التعديل في نصف العقد وهو خمسة إذا زيد عليه واحد كان لأدنى المبالغة، وإذا زيد عليه اثنان كان لأقصى المبالغة، ولذلك قالوا للأسد سبُع أي قد ضوعفت قوته سبع مرات، وهذا ذكره علي بن عيسى‏.‏

وحكى مجاهد وقتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لُهُمْ أَكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً» فأنزل الله تعالى ‏{‏سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتُ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ‏}‏ فكف‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏81- 82‏]‏

‏{‏فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ‏(‏81‏)‏ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏82‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏فَرَحَ الْمُخَلَّفُونَ‏}‏ أي المتروكون‏.‏

‏{‏بِمَقْعَدِهْم خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يعني مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا قول الأكثرين‏.‏

والثاني‏:‏ معناه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله أبو عبيدة وأنشد‏.‏

عفت الديار خلافهم فكانما *** بسط الشواطب بينهن حصيراً

أي بعدهم‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ هذا قول بعضهم لبعض حين قعدوا‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم قالوه للمؤمنين ليقعدوا معهم، وهؤلاء المخلفون عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك وكانوا أربعة وثمانين نفساً‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً‏}‏ هذا تهديد وإن خرج مخرج الأمر، وفي قلة ضحكهم وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن الضحك في الدنيا لكثرة حزنها وهمومها قليل، وضحكهم فيها أقل لما يتوجه إليهم من الوعيد‏.‏

الثاني‏:‏ أن الضحك في الدنيا وإن دام إلى الموت قليل، لأن الفاني قليل‏.‏

‏{‏وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ في الآخرة لأنه يوم مقداره خمسون ألف سنة، وهم فيه يبكون، فصار بكاؤهم كثيراً، وهذا معنى قول الربيع بن خيثم‏.‏

الثاني‏:‏ في النار على التأبيد لأنهم إذا مسهم العذاب بكوا من ألمه، وهذا قول السدي‏.‏

ويحتمل أن يريد بالضحك السرور، وبالبكاء الغم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏83‏]‏

‏{‏فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ‏(‏83‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏ إِنَّكُم رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ فيه قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أول مرة دعيتم‏.‏

الثاني‏:‏ يعني قبل استئذانكم‏.‏

‏{‏فَاقْعُدُاْ مَعَ الْخَالِفِينَ‏}‏ فيهم قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم النساء والصبيان، قاله الحسن وقتادة‏.‏

الثاني‏:‏ هم الرجال الذين تخلفوا بأعذار وأمراض، قاله ابن عباس‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏84‏]‏

‏{‏وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ‏(‏84‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَداً‏}‏ لما احتضر عبد الله بن أبي بن سلول أتى ابنُه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يصلي عليه وأن يعطيه قميصه ليكفن فيه فأعطاه إياه وهو عرق فكفنه فيه وحضره، فقيل إنه أدركه حياً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أَهْلَكَهُمُ اليَهُودُ» فقال‏:‏ يا رسول الله لا تؤنبني واستغفر لي، فلما مات ألبسه قميصه وأراد الصلاة عليه فجذبه عمر رضي الله عنه وقال‏:‏ يا رسول الله أليس الله قد نهاك عن الصلاة عليهم‏؟‏ فقال‏:‏ «يَا عُمَرُ خَيَّرَنِي رَبِّي فَقَالَ‏:‏ ‏{‏اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِر اللَّهُ لَهُمْ‏}‏ لأَزِيدَنَّ عَلَى الْسَّبِعِينَ» فصلى عليه‏.‏ فنزلت ‏{‏وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً‏}‏ الآية، فما صلى بعدها على منافق، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وجابر وقتادة‏.‏

وقال أنس بن مالك‏:‏ أراد أن يصلي عليه فأخذ جبريل بثوبه وقال ‏{‏وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُمْ مَّاتَ أَبَداً‏}‏‏.‏

‏{‏وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ‏}‏ يعني قيام زائر ومستغفر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏85- 87‏]‏

‏{‏وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ‏(‏85‏)‏ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ‏(‏86‏)‏ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏87‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيا‏}‏ يحتمل ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ يعذبهم بحفظها في الدنيا والإشفاق عليها‏.‏

والثاني‏:‏ يعذبهم بما يلحقهم منها من النوائب والمصائب‏.‏

والثالث‏:‏ يعذبهم في الآخرة بما صنعوا بها في الدنيا عند كسبها وعند إنفاقها‏.‏

وحكى ابن الأنباري وجهاً رابعاً‏:‏ أنه على التقديم والتأخير، وتقديره‏:‏ ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الآخرة‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا بِاللَّهِ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ استديموا الإيمان بالله‏.‏

والثاني‏:‏ افعلوا فعل من آمن بالله‏.‏

والثالث‏:‏ آمنوا بقلوبكم كما آمنتم بأفواهكم، ويكون خطاباً للمنافقين‏.‏

‏{‏وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُوْا الطَّوْلِ مِنْهُمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أهل الغنى، قاله ابن عباس وقتادة‏.‏

والثاني‏:‏ أهل القدرة‏.‏ وقال محمد بن إسحاق‏.‏ نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ مع المنافقين، قاله مقاتل‏.‏

والثاني‏:‏ أنهم خساس الناس وأدناهم مأخوذ من قولهم فلان خالفه أهله إذا كان دونهم، قاله ابن قتيبة‏.‏

والثالث‏:‏ أنهم النساء، قاله قتادة والكلبي‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 89‏]‏

‏{‏لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‏(‏88‏)‏ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏89‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ‏}‏ وهو جمع خيرة، وفيها أربعة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنها غنائم الدنيا ومنافع الجهاد‏.‏

والثاني‏:‏ فواضل العطايا‏.‏

والثالث‏:‏ ثواب الآخرة‏.‏

والرابع‏:‏ حُور الجنان، من قوله تعالى ‏{‏فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 70‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 93‏]‏

‏{‏وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏90‏)‏ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏91‏)‏ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ‏(‏92‏)‏ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏93‏)‏‏}‏

قوله عز وجل ‏{‏وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ‏}‏ فيها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم المعتذرون بحق اعتذروا به فعذروا، قاله ابن عباس وتأويل قراءة من قرأها بالتخفيف‏.‏

والثاني‏:‏ هم المقصرون المعتذرون بالكذب، قاله الحسن وتأويل من قرأها بالتشديد، لأنه إذا خفف مأخوذ من العذر، وإذا شدد مأخوذ من التعذير، والفرق بينهما أن العذر حق والعذير كذب‏.‏

وقيل إنهم بنو أسد وغطفان‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى‏}‏ الآية‏.‏ وفي الضعفاء ها هنا ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم الصغار لضعف أبدانهم‏.‏

الثاني‏:‏ المجانين لضعف عقولهم‏.‏

الثالث‏:‏ العميان لضعف بصرهم‏.‏ كما قيل في تأويل قوله تعالى في شعيب ‏{‏إِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 91‏]‏ أي ضريراً‏.‏

‏{‏إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ إذا برئوا من النفاق‏.‏

الثاني‏:‏ إذا قاموا بحفظ المخلفين من الذراري والمنازل‏.‏

فإن قيل بالتأويل الأول كان راجعاً إلى جميع من تقدم ذكره من الضعفاء‏.‏ والمرضى الذين لا يجدون ما ينفقون‏.‏

وإن قيل بالتأويل الثاني كان راجعاً إلى الذين لا يجدون ما ينفقون خاصة‏.‏

وقيل إنها نزلت في عائذ بن عمرو وعبد الله ابن مُغَفّل‏.‏

‏{‏وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه لم يجد لهم زاداً لأنهم طلبوا ما يتزودون به، قاله أنس بن مالك‏.‏

والثاني‏:‏ أنه لم يجد لهم نعالاً لأنهم طلبوا النعال، قاله الحسن‏.‏

روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الغزاة وهي تبوك «أَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَزَالُ رَاكباً مَا كَانَ مُنْتَعِلاً

»‏.‏ وفيمن نزلت فيه خمسة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ في العرباض بن سارية، قاله يحيى بن أبي المطاع‏.‏

والثاني‏:‏ في عبد الله بن الأزرق وأبي ليلى، قاله السدي‏.‏

والثالث‏:‏ في بني مقرّن من مُزينة، قاله مجاهد‏.‏

والرابع‏:‏ في سبعة من قبائل شتى، قاله محمد بن كعب‏.‏

والخامس‏:‏ في أبي موسى وأصحابه، قاله الحسن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 96‏]‏

‏{‏يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏94‏)‏ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏95‏)‏ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ‏(‏96‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيآءُ‏}‏ في السبيل ها هنا وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ الإنكار‏.‏

الثاني‏:‏ الإثم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَسْتَأْذِنُونَكَ‏}‏ يعني في التخلف عن الجهاد‏.‏ ‏{‏وَهُمْ أَغْنِيَآءُ‏}‏ يعني بالمال والقدرة‏.‏

‏{‏رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنهم الذراري من النساء والأطفال‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم المتخلفون بالنفاق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏97- 99‏]‏

‏{‏الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏97‏)‏ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏98‏)‏ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏99‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏الأعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يكون الكفر والنفاق فيهم أكثر منه في غيرهم لقلة تلاوتهم القرآن وسماعهم السنن‏.‏

الثاني‏:‏ أن الكفر والنفاق فيهم أشد وأغلظ منه في غيرهم لأنهم أجفى طباعاً وأغلظ قلوباً‏.‏

‏{‏وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ‏}‏ ومعنى أجدر أي أقرب، مأخوذ من الجدار الذي يكون بين مسكني المتجاورين‏.‏

وفي المراد بحدود الله ما أنزل الله وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ فروض العبادات المشروعة‏.‏

الثاني‏:‏ الوعد والوعيد في مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والتخلف عن الجهاد‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ ما يدفع من الصدقات‏.‏

الثاني‏:‏ ما ينفق في الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم مغرماً، والمغرم التزام ما لا يلزم، ومنه قوله تعالى ‏{‏إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 65‏]‏ أي لازماً، قال الشاعر‏:‏

فَمَا لَكَ مَسْلُوبَ العَزَاءِ كَأَنَّمَا *** تَرَى هَجْرَ لَيْلَى مَغْرَماً أَنْتَ غارِمُهُ

‏{‏وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَآئِرَ‏}‏ جمع دائرة وهي انقلاب النعمة إلى ضدها، مأخوذة من الدور ويحتمل تربصهم الدوائر وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ في إعلان الكفر والعصيان‏.‏

والثاني‏:‏ في انتهاز الفرصة بالانتقام‏.‏

‏{‏عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ‏}‏ رد لما أضمروا وجزاء لما مكروا‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ‏}‏ قال مجاهد‏:‏ هم بنو مقرن من مزينة‏.‏

‏{‏وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنها تقربة من طاعة الله ورضاه‏.‏

الثاني‏:‏ أن ثوابها مذخور لهم عند الله تعالى فصارت قربات عند الله ‏{‏وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ‏}‏ فيها وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه استغفاره لهم، قاله ابن عباس‏.‏

الثاني‏:‏ دعاؤه لهم، قاله قتادة‏.‏

‏{‏أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يكون راجعاً إلى إيمانهم ونفقتهم أنها قربة لهم‏.‏

الثاني‏:‏ إلى صلوات الرسول أنها قربة لهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏100‏]‏

‏{‏وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏100‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ‏}‏ فيهم أربعة أقاويل‏:‏

أحدها‏:‏ أنهم الذين صلّوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب‏.‏

الثاني‏:‏ أنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، قاله الشعبي وابن سيرين‏.‏

الثالث‏:‏ أنهم أهل بدر، قاله عطاء‏.‏

الرابع‏:‏ أنهم السابقون بالموت والشهادة من المهاجرين والأنصار سبقوا إلى ثواب الله تعالى وحسن جزائه‏.‏

ويحتمل خامساً‏:‏ أن يكون السابقون الأولون من المهاجرين هم الذين آمنوا بمكة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، والسابقون الأولون من الأنصار هم الذين آمنوا برسول الله ورسوله قبل هجرته إليهم‏.‏

‏{‏وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بإِحْسَانٍ‏}‏ يحتمل وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ من الإيمان‏.‏

الثاني‏:‏ من الأفعال الحسنة‏.‏

‏{‏رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ رضي الله عنهم بالإيمان، ورضوا عنه بالثواب، قاله ابن بحر‏.‏

الثاني‏:‏ رضي الله عنهم في العبادة‏.‏ ورضوا عنه بالجزاء، حكاه علي بن عيسى‏.‏

الثالث‏:‏ رضي الله عنهم بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضوا عنه بالقبول‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏101‏]‏

‏{‏وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ‏(‏101‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأعْرابِ مُنَافِقُونَ‏}‏ يعني حوله المدينة‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ مزينة وجهينة وأسلم وغِفار وأشجع كان فيهم بعد إٍسلامهم منافقون كما كان من الأنصار لدخول جميعهم تحت القدرة فتميزوا بالنفاق وإن عمتهم الطاعة‏.‏

‏{‏وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدها‏:‏ أقاموا عليه ولم يتوبوا منه، قاله عبد الرحمن بن زيد‏.‏

الثاني‏:‏ مردوا عليه أي عتوا فيه، ومنه قوله عز وجل ‏{‏وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 117‏]‏‏.‏

الثالث‏:‏ تجردوا فيه فظاهروا، مأخوذ منه تجرد خد الأمرد لظهوره وهو محتمل‏.‏

‏{‏لاَ تَعْلَمُهُمْ‏}‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ لا تعلمهم حتى نعلمك بهم‏.‏

الثاني‏:‏ لا تعلم أنت عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها، وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار‏.‏

‏{‏سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ‏}‏ فيه أربعة أوجه‏:‏

أحدهما‏:‏ أن أحد العذابين الفضيحة في الدنيا والجزع من المسلمين، والآخر عذاب القبر، قاله ابن عباس‏.‏

والثاني‏:‏ أن أحدهما عذاب الدنيا والآخر عذاب الآخرة، قاله قتادة‏.‏

والثالث‏:‏ أن أحدهما الأسر والآخر القتل، قاله ابن قتيبة‏.‏

والرابع‏:‏ أن أحدهما الزكاة التي تؤخذ منهم والآخر الجهاد الذي يؤمرون به لأنهم بالنفاق يرون ذلك عذاباً‏.‏ قال الحسن‏.‏

‏{‏ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ‏}‏ فيه ثلاثة أوجه‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه عذاب النار في الآخرة‏.‏

الثاني‏:‏ أنه إقامة الحدود في الدنيا‏.‏

الثالث‏:‏ إنه أخذ الزكاة منهم‏.‏